
لم تعد الطماطم مجرد مكون أساسي على موائد الغذاء اليومية، بل تحولت في الأشهر الأخيرة إلى رمز لأزمة غذائية عالمية، تعكس اضطرابات عميقة في المناخ والاقتصاد والتجارة، إذ لم تعد الأزمة محصورة في دولة بعينها، بل امتدت من مصر والأردن إلى ليبيا والمغرب، مرورًا بدول الخليج وأوروبا، حيث واجهت الأسواق ارتفاعات حادة في الأسعار ونقصًا في الإمدادات.
في مصر، بلغت الأزمة ذروتها الشهر الحالي، إذ سجلت أسعار الطماطم مستويات قياسية في بعض المناطق، ووصل الكيلو إلى حوالي 60 جنيهًا، ما أثار حالة من القلق بين المواطنين.
مجدي أبو العلا يكشف أسباب ارتفاع أسعار الطماطم في مصر
وفي هذا الصدد أكد مجدي أبو العلا، نقيب الفلاحين بالجيزة، في تصريح لـ”الدستور” أن أزمة الطماطم الحالية في السوق المصري نتجت عن مجموعة من العوامل المناخية والزراعية والاقتصادية التي أثرت على محصول العروة الصيفية والشتوية.
وأوضح أبو العلا أن أسعار الطماطم عادة ما تشهد تغيّرًا خلال ثلاث عراوي في العام، حيث تعتبر العروة الصيفية الأقوى، بينما تكون العروة الشتوية أضعف بسبب انخفاض درجات الحرارة، وهو ما ينعكس على ضعف إنتاجية النباتات.
وأضاف أن التغيرات المناخية الأخيرة، من ارتفاع مفاجئ في درجات الحرارة أو انخفاض حاد فيها، وكذلك الرياح والأمطار الغزيرة، أدت إلى سقوط زهور الطماطم وحدوث انخفاض في عقد الثمار، ما أثر بشكل مباشر على حجم المعروض في الأسواق.
وأشار أبو العلا أيضًا إلى أن استخدام الشتالات الضعيفة وقلة السماد البلدي ساهم في ضعف النبات، بينما أدت الأمطار والرياح القوية إلى تلف بعض الأشجار وإعادة تزهير النباتات، الأمر الذي يزيد من تأخر وصول المنتج إلى الأسواق.
كما لفت إلى أن موسم عيد الفطر أسهم في ركود عمليات شراء المحاصيل من الأراضي الزراعية، حيث أخذ التجار إجازاتهم قبل العيد، ما أدى إلى نقص الإمدادات مؤقتًا وارتفاع الأسعار.
كما أثرت التغيرات المناخية بشكل مباشر، إذ شهدت بعض المناطق موجات صقيع وانخفاضات مفاجئة في درجات الحرارة أضعفت المحصول، بينما ارتفعت تكاليف الإنتاج بشكل ملحوظ نتيجة زيادة أسعار الأسمدة والتقاوي والعمالة والطاقة.
وبالإضافة إلى ذلك تابع أنه قد زاد الطلب الموسمي خلال شهر رمضان الماضي من حدة الأزمة، فيما أدت ارتفاعات الوقود إلى زيادة تكلفة نقل المحصول إلى الأسواق، وسط ممارسات تخزين أحيانًا للسيطرة على المعروض.
وفي هذا السياق، شدد أبو العلا على أهمية استغلال الفترات التي تشهد فيها الأسواق ضغطًا على المعروض لتشجيع المصانع المصرية على تصنيع الطماطم الجافة والبودرة والطازجة، بدلًا من الاعتماد فقط على التصدير. وأوضح أن هذا سيسهم في استقرار الأسعار المحلية، وتوفير المنتج للمواطنين، وتقليل الفاقد الناتج عن تقلبات الطقس، مع الحفاظ على حقوق المزارعين وتحقيق الاستفادة القصوى من المحصول خلال فترات ضعف الإنتاج أو ارتفاع الأسعار.
أوضاع محصول الطماطم في بعض الدول العربية والأوروبية
أما في ليبيا، فقد شهدت مناطق مثل بنغازي والمنطقة الشرقية ارتفاعات كبيرة في الأسعار نتيجة تأخر نضج المحصول بسبب تغيرات الطقس، وارتفاع سعر الدولار الذي زاد من تكلفة البذور والأسمدة المستوردة، فضلًا عن أزمات الوقود التي رفعت كلفة النقل.
وفي المغرب، تبرز مفارقة فريدة حيث تُعد الدولة واحدة من أكبر مصدري الطماطم عالميًا، لكنها تعاني من ضغوط سعرية في السوق المحلي بسبب التركيز على التصدير لجلب العملة الصعبة، إضافة إلى الجفاف وندرة المياه التي تهدد استقرار الإنتاج.
وعلى صعيد دول الخليج، وتعتمد السعودية بشكل رئيسي على الاستيراد، فقد بلغ سعر الطماطم المستوردة نحو 5.64 ريال سعودي للكيلو في فبراير ومارس 2026، فيما بدأت المملكة في تنويع مصادر التوريد من تركيا والصين والمغرب، مع التوسع في الزراعة داخل الصوبات لتقليل الاعتماد على الخارج.
وفي أوروبا، تأثرت إسبانيا بموجات حرارة غير معتادة أدت إلى انخفاض الإنتاج بنسبة تصل إلى 22% وارتفاع الأسعار إلى أكثر من 2.20 يورو للكيلو، بينما واجهت المملكة المتحدة نقصًا في الإمدادات بسبب تأثر الواردات من جنوب إسبانيا والمغرب بتأخير الحصاد والعواصف والرطوبة العالية.
ويرى خبراء الاقتصاد والزراعة أن الأزمة الحالية ليست ناتجة عن سبب واحد، بل عن تداخل عدة عوامل تشمل التغيرات المناخية غير المستقرة، وارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة، واختلال سلاسل الإمداد، إلى جانب سياسات التصدير التي تفضل الأسواق الخارجية على الاستهلاك المحلي في بعض الدول، واعتماد دول أخرى على الاستيراد بشكل كامل.
وتسببت هذه العوامل مجتمعة في ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية للمستهلكين، وارتفاع المخاطر على المزارعين، مع ضغوط كبيرة على الحكومات للتدخل في الأسواق ودعم الإنتاج المحلي.
وتتجه بعض الدول إلى تبني حلول طويلة المدى مثل التوسع في الزراعة داخل الصوبات، واستخدام التكنولوجيا الزراعية الحديثة، وتحسين إدارة الموارد المائية، بالإضافة إلى تحقيق توازن بين التصدير والاستهلاك المحلي ودعم صغار المزارعين.
كما بدأت بعض الدول المتقدمة في الاستثمار في الزراعة الذكية وروبوتات الحصاد لتقليل الاعتماد على العمالة والظروف المناخية غير المستقرة.
وتشير التقديرات إلى أن الأسعار قد تبدأ بالتراجع تدريجيًا مع دخول الإنتاج الصيفي للأسواق خلال الأسابيع المقبلة، إلا أن حالة عدم الاستقرار قد تستمر على المدى المتوسط، فيما يبقى التحول الهيكلي نحو أنظمة زراعية أكثر تطورًا هو الحل الأمثل لضمان استقرار الإنتاج والأسعار.
