Tue. Mar 17th, 2026

تحولات الولاء القبلي وتمدد التنظيمات الإرهابية في إفريقيا.. قراءة في الجغرافيا الاجتماعية للصراع

5



5


التنظيم لا يَسكن الكهف فقط… بل يُقيم في قلب العشيرة

في المدى الجغرافي الممتد من بونتلاند في الصومال إلى سهول بوركينا فاسو لا تُخاض الحرب ضد الإرهاب بالسلاح وحده بل تُخاض أيضًا في ساحة غير تقليدية … ساحة الولاء فبينما تنشغل الجيوش بمطاردة المسلحين تتسلل التنظيمات إلى المجتمعات المحلية وتعيد ترتيب موازين النفوذ من داخل النسيج القبلي ذاته

تبدو العلاقة بين التنظيمات الإرهابية والقبائل في إفريقيا أكثر تعقيدًا من مجرد تواطؤ محلي إنها شبكة مصالح ومظلومية تاريخية وغياب للبديل تجعل من بعض التنظيمات فاعلًا اجتماعيًا بقدر ما هي لاعب عسكري

بونتلاند… حين تصبح القبيلة حدودًا للسلطة

في إقليم بونتلاند الصومالي لا تُدار المجتمعات على النمط المركزي للدولة الحديثة بل تتقاسم القبائل الكبرى – مثل المجيرتين والورسنجلي والدولبهنتي – الأدوار التنظيمية والأمنية من خلال مجالس العُرف.. والشورى.. والقيادة التقليدية هذه المنظومة الاجتماعية التي غالبًا ما تتفوق على مؤسسات الدولة في التأثير وفّرت لتظيم داعش بيئة مثالية للتمدد بهدوء

فالدولة المركزية في بونتلاند غائبة في كثير من المناطق أو ضعيفة الحضور ما جعل القبيلة تُشكّل الحاضن الأول للشرعية – سواء في وجه الدول أو في وجه من ينافسها عليها

– ثلاثية التسلل… كيف دخل داعش قلب المجتمع؟

نجح تنظيم داعش في بونتلاند في اختراق المجتمع المحلي دون مواجهات دامية بل عبر ما يمكن تسميته بـاستراتيجية التسلل الاجتماعي وتتكون من ثلاث أدوات رئيسية:
– الزواج السياسي.. استخدم التنظيم المصاهرة كأداة اختراق ناعمة إذ عمد مقاتلوه إلى الزواج من بنات العشائر ما حولهم من غرباء إلى أصهار يتمتعون بمكانة لا تُمسّ وفق الأعراف
– استثمار المظلومية.. في القرى التي همّشتها الدولة عقودًا دخل التنظيم باعتباره البديل الوحيد القادر على تقديم الحماية والتمثيل لا الأفضل ولكن المتاح
– اقتصاد بديل قائم على الأمن..رغم فرضه الإتاوات استطاع التنظيم تأمين الطرق الصحراوية التي كانت تُنهب فيها البضائع، ما جعله يبدو لبعض السكان كـحاكم فعّال أمام دولة غائبة

– الصمت العشائري… لغة الخوف أم شكل من أشكال الولاء؟

لسنا مع التنظيم … لكننا نعرفه أكثر من الدولة بهذه العبارة لخص أحد وجهاء القرى الخاضعة لداعش موقفه من العلاقة مع التنظيم الصمت في كثير من الحالات ليس حيادًا بل آلية للبقاء فبين انتقام الدولة الضعيفة إذا نُقضت بيعتها وانتقام التنظيم إذا فُضح أمره تختار القبائل الانكماش والمصلحة

القبيلة هنا لا تُسهم بالضرورة في دعم الإرهاب لكنها في الوقت ذاته لا تعارضه وتلك المنطقة الرمادية هي ما يمنح التنظيمات قدرة على التمدد دون الحاجة إلى الحسم العسكري

– أزمة الدولة… بين الانسحاب الرمزي والاستفزاز السياسي

تحاول سلطات بونتلاند كبح تمدد داعش، لكنها تواجه ثلاثة عوائق متداخلة:
–  التسييس القبلي: أي حملة أمنية قد تُفهم كاستهداف لقبيلة معينة ما يهدد بتحويل الخصومة مع التنظيم إلى عداء مفتوح مع الدولة 
–  فقدان الثقة: فشل الدولة في تقديم نموذج حكم محلي ذي مصداقية يجعلها طرفًا غير موثوق به في أعين المجتمعات العشائرية
–  الفقر في الخطاب السياسي: غياب سردية بديلة أو مشروع سياسي جامع دفع بعض القبائل إلى البحث عن تمثيلها في التنظيمات لا في المؤسسات.

– من بونتلاند إلى الساحل… التحالفات القَبَلية كحاضن للتنظيمات

الحالة الصومالية ليست فريدة.. بل إن التحالفات القَبَلية أصبحت سمة متكررة في العديد من الدول الإفريقية حيث تستثمر التنظيمات الإرهابية هشاشة العلاقة بين الدولة والمجتمع المحلي لصالحها
– في مالي سعت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين إلى كسب دعم الطوارق والفولاني ما مكنها من السيطرة على مناطق شاسعة شمال البلاد
– في النيجر استغلت داعش شبكة الفولاني الممتدة عبر الحدود لتثبيت وجودها في المثلث الحدودي مع مالي وبوركينا فاسو
– في نيجيريا استفادت بوكو حرام من تعاطف ضمني من بعض مكوّنات الكانوري ما عزز من قدرتها على الصمود رغم عشر سنوات من العمليات العسكرية
– وفي بوركينا فاسو استغلت أنصار الإسلام التهميش التاريخي لقبائل الشمال لتتحول إلى حاضنة بديلة عن الدولة
.. وأخيرًا في بونتلاند وجد داعش في تحالفه مع المجيرتين والورسنجلي نموذجًا قابلًا للتكرار في أماكن أخرى من إفريقيا

في كل هذه الحالات لم تكن القبائل مجرد ضحايا بل أحيانًا جزء من المعادلة بصمتها، أو بحمايتها أو حتى بانضمام بعض أبنائها للتنظيم

– اتجاهات التنظيمات المتطرفة في ضوء هذا التحول

التحول في علاقة التنظيمات مع القبائل أعاد تشكيل البنية الاستراتيجية للحركات الجهادية في إفريقيا ويمكن رصد خمسة اتجاهات رئيسية:
1- من السيطرة إلى التعايش: التنظيمات لم تعد تسعى لفرض سيطرة مباشرة بل لتعايش طويل الأمد مع المجتمعات عبر اختراقها ثقافيًا واجتماعيًا
2- لامركزية القرار: سمحت مرونة الهياكل القَبلية ببروز نماذج قيادة محلية داخل التنظيمات دون الحاجة لتوجيهات مستمرة من القيادة المركزية
3- خطاب موجه للمظلومية: تراجع الخطاب العقائدي لصالح خطاب محلي يركز على العدالة والحماية وتمثيل المهمّشين
4- تكيف أدوات العنف: لم تعد التفجيرات وسيلة النصر بل أداة لبثّ رسائل تكتيكية محسوبة تستهدف زعماء القرى أو المتعاونين مع الدولة
5- احتراف الإعلام المحلي: أدركت التنظيمات أهمية اللغة والرموز المحلية فباتت تنتج مواد دعائية تستند إلى ثقافة المجتمع الذي تنشط فيه

من لا يفهم القبيلة… لا يهزم التنظيم

ما لم تدرك الدول الإفريقية أن القبيلة لم تعد مجرد موروث تقليدي بل باتت وحدة شرعية بديلة فإنها ستخسر المعركة أمام تنظيمات تتقن جيدًا اللعب على توازنات الولاء

القبيلة فى أفريقيا ليست خصمًا طبيعيًا للدولة بل شريكًا محتملًا في بناء الشرعية إذا تم احترام خصوصيتها ودمجها في المعادلة الوطنية

وحتى ذلك الحين … ستظل التنظيمات المسلحة تتمدد لا لأنها أقوى بل لأنها الأذكى اجتماعيًا
ففي إفريقيا لا يُهزم العدو بخريطة عسكرية فقط بل بخريطة اجتماعية تفهم أن الأرض لا تُستعاد بالسلاح وحده بل بالثقة
 



By uttu

Related Post

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *