المهندس بسام برغوت
“إنَّ اللهَ بالغُ أمرِه”(سورة الطلاق)، آية قرآنية تبعث الطمأنينة في القلب، وتمنحه الثبات وسط تقلبات الحياة، ومعناها أن مشيئته نافذة، وقدرته محيطة بكل شيء، لا يعجزه أمر في الأرض ولا في السماء. هذه الحقيقة ليست مجرد عبارة تُقال، بل هي عقيدة راسخة تغيّر نظرة الإنسان للحياة، وتجعله يعيش بثقة واطمئنان مهما اشتدت الظروف.
ثم قال تعالى بعدها: “قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا” (سورة الطلاق)، لتؤكد أن كل ما يحدث في هذا الكون يسير وفق تقدير إلهي دقيق، لا يتقدم ولا يتأخر، ولا يخرج عن إرادة الله. فكل أمر قد كُتب، وكل حدث له توقيت، وكل نتيجة لها سبب معلوم عند الله.
إنَّ إدراك هذا المعنى يحرر الإنسان من القلق المفرط والخوف من المستقبل، لأنه يعلم أن الأمور كلها بيد الله، وأن ما كُتب له سيصيبه لا محالة، وما لم يُكتب له فلن يناله مهما سعى. قال تعالى: “مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ” (سورة الحديد)، وهذا يعزز الإيمان بأن كل ما يحدث هو ضمن علم الله وحكمته.
وعندما يمر الإنسان بمواقف صعبة، قد يظن أحيانًا أن الأمور خرجت عن السيطرة، أو أن الحلول مستحيلة، ولكن الإيمان بأن الله بالغ أمره يعيد له التوازن، ويذكره أن الله قادر على تغيير الحال في لحظة. كم من أمور بدت مستحيلة ثم أصبحت واقعًا؟ وكم من ضيق تحوّل إلى فرج؟ هذا كله من آثار قدرة الله التي لا حدود لها.
ومن أروع الأمثلة على ذلك قصة نبي الله يوسف عليه السلام، حين أُلقي في البئر صغيرًا، ثم بيع عبدًا، ثم سُجن ظلمًا، ومع ذلك انتهى به الأمر إلى أن أصبح عزيز مصر. كل تلك الأحداث لم تكن عبثًا، بل كانت ضمن تدبير إلهي محكم. قال تعالى: “وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ” (سورة يوسف)، وهذه الآية تعكس نفس المعنى، أن إرادة الله نافذة مهما بدا العكس.
الإيمان بأن الله بالغ أمره لا يعني التواكل أو ترك العمل، بل يعني السعي مع اليقين. فالمؤمن يعمل ويجتهد، لكنه لا يعلّق قلبه بالنتائج، بل يسلّمها لله. قال تعالى: ” وَقُلِ اعْمَلُوا..” (سورة التوبة)، فالسعي مطلوب، لكن النتائج بيد الله وحده.
وفي حياة الإنسان اليومية، نرى كيف تتحقق هذه الحقيقة بوضوح. قد يسعى شخص للحصول على عمل معين ولا يُوفق، ثم يجد لاحقًا فرصة أفضل لم يكن يتوقعها. وقد يتأخر أمر ما فيظنه شرًا، ثم يكتشف أنه كان خيرًا له. هذا لأن الله يدبر الأمور بحكمة لا نراها في حينها، لكنه يكشفها لنا مع مرور الوقت.
كما أن هذا الإيمان يمنح الإنسان قوة نفسية كبيرة، لأنه لا ينهار أمام الفشل، ولا يتكبر عند النجاح. فهو يعلم أن كل شيء بقدر الله، فيحمده في السراء والضراء، ويؤمن أن ما نمر به ليس عبثًا، بل هو جزء من تقدير إلهي أعظم، قال تعالى: “وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ” (سورة البقرة)، وهذه الآية تختصر الكثير من المعاني، فهي تذكرنا أن نظرتنا المحدودة قد تخدعنا، وأن ما نراه شرًا قد يكون في حقيقته خيرًا كبيرًا.
كما أن هذا اليقين يقوّي العلاقة بين العبد وربه، فيكثر من الدعاء والتوكل، لأنه يعلم أن الله قادر على كل شيء. فلا يوجد أمر مستحيل عند الله، ولا دعاء يضيع، ولا جهد يذهب سدى. قال تعالى: “ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ” (سورة غافر)، وهذا وعد صادق من الله لعباده.
ومن الجوانب العميقة في الإيمان بأن الله بالغ أمره، أن العبد يتعلّم التسليم الحقيقي لله حتى في الأمور التي لا يفهم حكمتها. فقد تمر لحظات يشعر فيها الإنسان بالحيرة أو الضيق، لكنه حين يتذكر أن الله يدبّر كل شيء بحكمة مطلقة، يهدأ قلبه ويطمئن. قال تعالى: “وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ” (سورة الإنسان )، فكل ما يحدث في هذا الكون مرتبط بمشيئة الله، وهذا يدعو المؤمن لأن يكون دائم الصلة بربه، مستعينًا به في كل أموره، واثقًا أن اختياره له خير من اختياره لنفسه.
كما أن هذا اليقين يغرس في النفس الأمل وعدم اليأس مهما اشتدت الظروف، فالمؤمن لا يغلق باب الرجاء أبدًا، لأنه يعلم أن الله قادر على تبديل الحال في أي لحظة. قال تعالى: “فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا” (سورة الشرح)، وهذا وعد إلهي صريح بأن الفرج قريب مهما طال الضيق. لذلك يبقى المؤمن متفائلًا، يعمل ويصبر وينتظر الفرج من الله، مؤمنًا أن تدبير الله له دائمًا هو الأفضل، حتى وإن لم يظهر ذلك في البداية.
ختاماً ،
فإن الإيمان بأن الله بالغ أمره هو مفتاح الطمأنينة في هذه الحياة، وهو نور يضيء طريق المؤمن في أوقات الظلام. فمن تمسك بهذا اليقين، عاش مرتاح القلب، ثابت النفس، لا تهزه المصائب، ولا تغره الدنيا. فليكن هذا المعنى حاضرًا في قلوبنا دائمًا، ولنردد بثقة: إن الله بالغ أمره، وقد جعل لكل شيء قدرًا، وما علينا إلا أن نسعى ونثق ونرضى.
المهندس بسام برغوت
