Sat. Feb 28th, 2026

حديث رمضان_” لماذا نرتبط بالقران اكثر فيك يا رمضان ؟”

المهندس بسام برغوت


المهندس بسام برغوت

للقرآن الكريم مكانةً عالية في حياة المسلم، فهو المنهج الذي أنزله الله تعالى ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور، وتتجدد العلاقة بالقرآن في شهر رمضان، حتى يصبح هذا الشهر موسماً قرآنياً بامتياز؛ تكثر فيه التلاوة، وتُتلى فيه الختمات، وتمتلئ المساجد بصوت الآيات في صلاة التراويح والقيام. فما السر في هذا الارتباط الوثيق بين القرآن ورمضان؟ ولماذا نشعر في هذا الشهر بقربٍ خاص من كلام الله تعالى؟

اختار الله تعالى هذا الشهر ليكون زمن نزول كتابه العظيم، فيجعل من رمضان موسماً لاستعادة تلك اللحظة المباركة حين نزل جبريل عليه السلام على قلب النبي في غار حراء، قال تعالى: “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ” (سورة البقرة). إن استحضار لحظة الوحي الأولى،

وقد بيّنت السنة النبوية هذا الارتباط أيضاً، كما جاء في الحديث الصحيح: “كان رسول الله أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فيدارسه القرآن” (رواه البخاري). إن مدارسة النبي للقرآن مع جبريل في رمضان تدل على أن هذا الشهر زمن مراجعة وتجديد للعهد مع كلام الله، وأن تكرار التلاوة والتدبر فيه سُنّة نبوية ثابتة. ومن هنا نفهم لماذا يحرص المسلمون على ختم القرآن في رمضان، اقتداءً برسولهم الكريم.

ومن أسباب تعاظم الارتباط بالقرآن في رمضان أن الصيام نفسه يهيئ القلب لتلقي كلام الله. فالصوم ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة روحية تُصفّي النفس وتُرقّق القلب وتُضعف سلطان الشهوة. قال تعالى في بيان حكمة الصيام: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” (سورة البقرة). فالتقوى هي الغاية الكبرى من الصيام، والقرآن هو كتاب التقوى والهداية. فإذا اجتمع صومٌ يورث التقوى مع قرآنٍ يهدي للتي هي أقوم، كان لذلك أثر عظيم في حياة المسلم. وإن القلب إذا خفّ من أثقال الشهوات، أصبح أكثر استعداداً للتأثر بالآيات، وأكثر قابليةً للخشوع والبكاء والتدبر.

ومن المظاهر البارزة لارتباط القرآن برمضان صلاة التراويح والقيام، حيث يُتلى فيها القرآن في المساجد، فيجتمع الناس خلف الإمام يستمعون لآيات الله في أجواء إيمانية مؤثرة. وقد قال النبي : “من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه” (متفق عليه). إن القيام في رمضان ليس مجرد صلاة، بل هو إنصاتٌ طويل لكلام الله، وتفاعلٌ مع آيات الرحمة والعذاب، والوعد والوعيد. وتكرار سماع القرآن في هذه الأجواء يعمّق العلاقة به، ويجعله جزءاً من الوجدان اليومي للمسلم خلال الشهر الكريم.

ولا يقتصر الارتباط بالقرآن في رمضان على التلاوة، بل يمتد إلى التدبر والعمل. فالآيات التي تتحدث عن الصبر، والإنفاق، والرحمة، تكتسب في رمضان معنىً عملياً محسوساً. فعندما يسمع الصائم قول الله تعالى: ” وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ” (سورة البقرة)، فإنه يعيش معنى الصبر واقعاً في صيامه. وعندما يقرأ عن فضل الصدقة والإنفاق، يجد نفسه مدفوعاً للبذل والعطاء، مستحضراً أن النبي كان أجود ما يكون في رمضان. وهكذا يتحول القرآن من نصٍّ يُتلى إلى منهجٍ يُعاش، ومن كلماتٍ تُسمع إلى قيمٍ تُطبَّق.

ومن الحكم العظيمة في تعاظم علاقتنا بالقرآن في رمضان أن هذا الشهر يخفّف من مشاغل الدنيا، فيمنح الإنسان فرصة للتركيز على عبادته. تقلّ فيه الانشغالات، وتزداد فيه أجواء الطاعة، وتنتشر فيه روح الجماعة في المساجد والبيوت. وهذا الجو العام يُعين على الإقبال على القرآن. فالإنسان بطبعه يتأثر بالبيئة المحيطة، فإذا رأى الناس يتسابقون في الختمات، ويحيون الليل بالقيام، اندفع هو أيضاً ليكون جزءاً من هذا السباق المبارك.

كما أن في رمضان ليلةً عظيمة هي ليلة القدر، التي نزل فيها القرآن أول ما نزل، قال تعالى: “إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ” (سورة القدر). إن استحضار فضل هذه الليلة، التي هي خيرٌ من ألف شهر، يدفع المسلم إلى الإكثار من تلاوة القرآن فيها، رجاء أن يكون ممن يُكتب لهم الأجر العظيم. فالقرآن نزل في ليلة مباركة، ومن قرأه وتدبره في تلك الليالي، فقد جمع بين شرف الزمان وشرف الكلام.

إن سرّ تعاظم ارتباطنا بالقرآن في رمضان يكمن في اجتماع عدة عوامل: شرف الزمان بنزول القرآن فيه، ومدارسة النبي له في هذا الشهر، وتهيؤ القلوب بالصيام، واجتماع المسلمين على التلاوة والقيام، ووجود ليلة القدر، وأجواء الطاعة العامة. كل ذلك يجعل رمضان ربيع القرآن، كما كان بعض السلف يسمونه. وإذا أحسنّا استثمار هذا الموسم، فإننا لا نخرج منه بختمة فحسب، بل نخرج بقلبٍ جديد، ونظرةٍ أعمق للحياة، وعهدٍ متجدد مع كلام الله تعالى.

ختاماً ،

فإن القرآن في رمضان ليس مجرد عادة سنوية، بل هو عودة إلى الأصل، وتجديد للهوية، واستعادة لمعنى العبودية. فإذا شعرنا في هذا الشهر بقربٍ خاص من القرآن، فذلك لأن الزمان يعيننا، والقلوب تتهيأ، والأجواء تُصفّى. فليكن رمضان بداية علاقة مستمرة مع كتاب الله، لا تنقطع بانقضاء أيامه، بل تمتد لتكون نوراً يرافقنا في سائر العام، مصداقاً لقوله تعالى: “إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ” (سورة الإسراء).

المهندس بسام برغوت

By uttu

Related Post

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *