
يظل اسم مصطفى محمود حاضرًا بوصفه نموذجًا استثنائيًا لكاتبٍ جمع بين الطب والفلسفة والتصوف، وترك إرثًا معرفيًا واسعًا تجاوز حدود المقال الصحفي إلى فضاءات التأمل في قضايا الحياة والموت والإيمان.
في هذا السياق، كتب الصحفي عبد التواب عبد الحي في مقال له بمجلة الدوحة تحت عنوان ” مصطفى محمود طبيبا وأديبا ومتصوفا”، إن مصطفى محمود يمكن النظر إليه بوصفه يجمع هذا الثالوت بين الطب والادب والفلسفة في آنٍ واحد، مشيرًا إلى فرادة تجربته التي لم تتقيد بالأطر التقليدية للكتابة أو العمل الصحفي.
مصفى محمود كاتبا بلا مكتب
وأشار عبد التواب عبد الحي إلى أن مصطفى محمود كان «كاتبًا بلا مكتب»، إذ لم يكن له مكتب ثابت في مؤسسة روزاليوسف التي عمل بها، ولا حتى في منزله، وهو ما يطرح سؤالًا لافتًا حول طبيعة هذا الإنتاج الغزير: أين كان يكتب؟ وكيف تشكّلت هذه التجربة؟.
وأوضح أن سرّ هذه الظاهرة يكمن في بساطة المشهد؛ إذ كان سرير مصطفى محمود هو مكتبته الحقيقية، حيث يتربع عليه ممسكًا بلوح خشبي صغير، أشبه بألواح «الأردواز» التي عرفتها الكتاتيب القديمة، يضع عليه أوراقه، لتنساب الكلمات من قريحته إلى الورق في هدوء وتأمل.
وأضاف أن غرفة نومه تحولت عمليًا إلى غرفة كتابة، لا يحتاج فيها سوى أن يستيقظ من نومه ليجد نفسه في «مكان عمله» على الفور.
ولفت عبد التواب عبد الحي إلى أن هذا الأسلوب غير التقليدي لم يمنع مصطفى محمود من تقديم إنتاج فكري غزير، إذ ترك نحو 45 كتابًا حظيت بانتشار واسع وتعددت طبعاتها، من أبرزها: «لغز الحياة»، «لغز الموت»، «المستحيل»، «العنكبوت»، «الخروج من التابوت»، و«محاولة لفهم عصري للقرآن»، وهي أعمال تكشف عن عقلٍ منشغل بأسئلة الوجود الكبرى.
ويرى عبد التواب عبد الحي أن الرحلة الفكرية لمصطفى محمود – من الإيمان إلى الشك ثم العودة إلى اليقين – كانت الأطول والأكثر مشقة في حياته، بل وربما الأكثر إثارة للجدل، إذ عكست صراعًا داخليًا عميقًا انعكس بدوره في كتاباته التي تمزج بين العلم والتصوف.
علاقة حب انتهت بـ علقة
أما عن رؤيته للحب، فأوضح عبد التواب عبد الحي أن مصطفى محمود تعامل معه بوصفه «مجلدًا ضخمًا متعدد الفصول»، لكن حب الرجل للمرأة لم يشغل فيه سوى «صفحة واحدة» فقط، وهي رؤية تعكس انشغاله الأكبر بقضايا الفكر والروح.
وتتجلى ملامح هذه الصفحة في قصة حب طفولية عاشها مصطفى محمود في سن التاسعة، لفتاة تُدعى «عدنية»، كانت تسكن بالقرب من حيّه في طنطا، وقد رآها في جمال الطفولة البريء.
وأضاف عبد التواب عبد الحي أن الطفل الصغير كان يسعى إلى لفت انتباهها بكل ما يملك من مواهب؛ فيقرأ القرآن بترتيل، أو يغني أغاني محمد عبد الوهاب، أو يروي لها حكايات يؤلفها ارتجالًا.
غير أن هذه التجربة العاطفية لم تخلُ من الألم، إذ كان ضعيف البنية مقارنة بأقرانه، ما جعله عرضة لمضايقات صبية الحي الذين تربصوا به وضربوه، فلم يعد يجرؤ على الاقتراب من بيتها. وهنا لجأ إلى الشعر، فكتب قصيدة مطلعها:
«صرع الحب فؤادي فاشتكى
ما له من صاحبٍ غير البكاء»
بهذا المشهد الإنساني المبكر، تتكشف ملامح الحس الوجداني لدى مصطفى محمود، الذي سيكبر لاحقًا ليصوغ أسئلة كبرى عن الإنسان والكون، ويظل — كما يراه عبد التواب عبد الحي — كاتبًا استثنائيًا، لا تحده المكاتب ولا القوالب الجاهزة، بل تصنعه تجربة روحية وفكرية فريدة.
