المهندس بسام برغوت
يأتي عيد الفطر المبارك بعد شهرٍ كامل من الصيام والقيام والعبادة، ليكون يوم فرحٍ وشكرٍ لله تعالى على ما منّ به على عباده من الطاعة والرحمة والمغفرة. وقد جعل الإسلام العيد مناسبةً لإظهار السرور المشروع، وإدخال البهجة إلى القلوب، وتقوية أواصر المحبة والتكافل بين الناس. إن من مظاهر السماحة في العيد التوسعة على الأهل بالإنفاق، وتوفير ما يحتاجون إليه من متطلبات تُدخل السرور إلى نفوسهم، وإشعارهم بالاهتمام والرعاية. ثم يمتد هذا المعنى ليشمل المجتمع كله، من خلال الإحسان إلى الناس، والتفقد لأحوالهم، والتعهد باحتياجاتهم، والتوسعة على الفقراء والمساكين وذوي الحاجة بالصدقات، والسؤال عنهم ومواساتهم. فالعيد في الإسلام ليس فرحة فردية فحسب، بل هو فرحة جماعية يتشارك فيها المجتمع كله، حيث يشعر الجميع بأنهم جزء من أسرة إنسانية متكافلة.
لكن لا شك أن تقاليدنا في هذا العيد ستختلف كثيراً، لأنه يحل علينا في ظروف استثنائية وصعبة. فقد ارتبط العيد في الذاكرة الشعبية دائماً بالتفاؤل والفرح، وبالزيارات العائلية، والهدايا، وملابس الأطفال الجديدة، والولائم التي تجمع الأحبة. غير أن واقع الحروب والاضطرابات التي نعيشها اليوم يجعلنا نتساءل: كيف سنعيش عيدنا هذا العام؟
إن العيد في زمن الحروب تجربة إنسانية معقدة، تختلط فيها مشاعر الفرح بالحزن، ويتمازج فيها الأمل مع الخوف. ففي مثل هذه الظروف يغيب البذخ، وتتقلص مظاهر الاحتفال الصاخبة، لتحل محلها قيم أعمق وأسمى، كالتضامن الاجتماعي، والتعاطف الإنساني، وتذكر الشهداء، والدعاء لهم، ومواساة الجرحى والمصابين. وهكذا يتحول العيد من مجرد مناسبة للاحتفال إلى وقفة صمودٍ إنساني، وتعزيزٍ للروابط الاجتماعية في وجه التحديات.
إن فرحتنا هذا العام لا شك أنها فرحة منقوصة؛ فظلال الحرب تخيم على الأجواء، والقلق من أصوات الانفجارات أو التهديدات يطغى أحياناً على تحضيرات العيد. ومع ذلك تبقى الرغبة في إدخال البهجة إلى قلوب أطفالنا قائمة، لأن الفرح – ولو كان بسيطاً – هو رسالة حياة في وجه الموت والخوف.
.لقد تغير وجه العيد هذا العام، فهو يطل علينا فوق جراحٍ مفتوحة. فالعائلات التي كانت تنتظر نهاية شهر رمضان لتجتمع في بيوتها وسط أجواء من الفرح، تجد نفسها اليوم تبحث عن مكان آمن تقضي فيه الليل، بعيداً عن الغارات أو أصوات القصف أو الإنذارات التي قد تدفع الناس إلى مغادرة بيوتهم وممتلكاتهم على عجل، خوفاً على حياتهم وحياة أحبائهم.
وعيد الفطر هذا العام ليس كما اعتدناه؛ فقد تصل تكبيراته إلى آذاننا وإلى آذان عائلات كثيرة تركت بيوتها، وجالسة في ملاذات مؤقتة لا تشبه دفء منازلهم، تستقبل العيد بقلوب مثقلة بالحنين والقلق، لكنها لا تزال متمسكة بالأمل والرجاء. لكن رغم ذلك سيبقى العيد فكرة يصعب على الحرب أن تلغيها أو أن تمحوها من قلوب الناس ووجدانهم.
وفي مثل هذه الظروف، قد لا يكون العيد مناسبة للزيارات الواسعة أو الولائم الكبيرة كما اعتدنا، بل قد يصبح لحظة نجاة مؤقتة في يوم يمر من دون تهديد أو قصف. أما الأطفال الذين كانوا ينتظرون ملابس العيد والألعاب، فقد يجدون أنفسهم اليوم في سيارات مزدحمة أو أماكن نزوح، يطرحون أسئلة بريئة لكنها مؤلمة:
متى نعود إلى بيتنا؟
ومتى نعود إلى مدرستنا؟
وهل سنعود قبل العيد؟
وفي زمن الحروب لا تختفي الأعياد، لكنها تتغير. يتراجع الفرح الظاهر، ويتقدم الشعور بالقلق وعدم الاستقرار، لكن تبقى في القلوب جذوة الأمل التي لا تنطفئ. فالعيد في جوهره ليس المظاهر وحدها، بل هو معاني الرحمة والتكافل والصبر والثبات.
ويروى في هذا السياق أن ملكاً جمع حكماء مملكته، وطلب منهم أن يتفقوا على عبارة تُكتب في صدر مجلسه، لينظر إليها في كل حين ليستفيد منها ولا ينساها.
وقال لهم: أريدها حكمة بليغة تدلني على الصواب وقت المحن، وتعينني على إدارة الأزمات، وتكون خير موجّه لي وأنا في حالة الفرح.
اجتمع الحكماء واحتاروا في أمرهم وكتبوا عبارات كثيرة فيها من الحكمة والعظة الشيء الكثير، لكنها لم تعجب الملك. إلى أن جاءه أحدهم برقعة صغيرة كُتب عليها: “كل هذا حتماً سيمرّ”.
نظر الملك طويلاً في تلك الكلمات، وتبسّم راضياً، وأمر أن تُنسخ هذه الحكمة البليغة، لا لتوضع فوق صدر مجلسه فقط، بل لتوضع في ميادين المملكة كلها، ليتذكر كل من يراها أن دوام الحال من المحال.
وهكذا فإن عيد الفطر هذا العام، رغم ما يحمله من ألم وقلق، يذكّرنا بهذه الحكمة العميقة: أن الشدة لا تدوم، وأن الحزن مهما طال لا يبقى، وأن الفرج آتٍ بإذن الله.
ختاماً، ينبغي أن نجعل من عيدنا مناسبة لتعزيز التضامن بين الناس، ومواساة المتألمين، ومساعدة المحتاجين، والوقوف إلى جانب من فقدوا بيوتهم أو أحباءهم.
فلنرفع أصواتنا في عيدنا هذا العام برسالة واضحة: إن الحياة أقوى من الحرب، وإن الأمل أقوى من الخوف، وإن الشمس ستشرق من جديد. ويبقى عيد الفطر، مهما تغيرت الظروف، حاملاً في طياته وعداً صادقاً بأن الفرج – وإن تأخر – سيجد طريقه إلينا بإذن الله.
المهندس بسام برغوت
