Tue. Mar 31st, 2026

شروق وغروب – بقلم خليل الخوري – من السفير الإيراني الى الجنرال بختيار

خليل الخوري




غريب أمر هذا الوطن، الذي لا يزال مستوعَباً تُرمى فيه ليس فقط نفايات المنطقة وحسب، إنما كذلك آثامها وكوارثها. ولعل الإنصاف يقتضي الإعتراف بأن الداخل اللبناني المشرّع الأبواب أمام تلك الآفات كلها، يتحمّل ربما القسط الأكبر من المسؤولية عمّا آلت اليه أحواله المغرقة في التعاسة الى درجة الاستهانة به من قريب وبعيد، من قوي وضعيف، من شقيق وعدو…
لماذا ليس لبنان بلداً قوياً؟ ولا نقصد بالقوة أن يمتلك القنابل الذرية والهيدروجينية والتكنولوجية. إنما نقصد أن يكون لديه الحد الأدنى من إمكانات الدفاع عن النفس.
عندما كان وطننا في عافيته تمكّن الآباء المؤسّسون من تزويد الجيش اللبناني بالطائرات المقاتلة من طراز «الميراج» الفرنسية و «هوكر هانتر» البريطانية. الى مجموعة من أحدث الدبابات الفرنسية وسائر مستلزمات الدفاع عن النفس. فكيف كان أولئك الماهدون قادرين على ذلك، ثم عجز عنه خلفاؤهم لا سيما في ما بعد حرب السنتين التي امتدت تسع عشرة سنة؟
في تقديرنا لأن الرجال الذين كانوا يتولون شؤون البلاد والعباد في الزمن اللبناني الجميل كانوا يتمتعون بالروح المعنوية والكرامة الوطنية، ولم يكونوا مرتهَنين للخارج، ولم يُنشئوا سوق «البازار المفتوح» لبيع كل شيء وشراء كل ما يعزز نهج الفساد الذي مارسوه علينا طوال عقود، ناهيك بالتجارة الحقيرة بالدين والمذهب.
ولم تكن مجرّد مصادفة أن يبيع قراصنة الميليشيات، الذين استولوا على السلطة، مقاتلات الميراج والهوكر هانتر، وبذلك تخلّوا عن أحد عناصر القوة بدلاً من تفعيل تلك الطائرات بالصيانة. ولقد يُفاجأ القارئ عندما يعرف أن البلد الذي اشترى الميراج هو أحد البلدان التي تملك القنبلة الذرية، ومع ذلك ابتاع الميراج.
وفي سياق موازٍ لماذا نغمض عيناً ونفتح أخرى لنجد أنفسنا في أزمة لا حول لنا فيها ولا طول، والمثال الطازج أزمة طرد السفير الإيراني، فلا هذا السفير غادر أو سيغادر ، وليس في اليد حيلة أمام هذا المأزق الجديد.
وهنا يجدر التذكير بقصة الجنرال الإيراني تيمور بختيار الذي كان كبير معارضي الامبراطور محمد رضا بهلوي، في عزّ سطوته، وتواجد في بلدنا فأصرّ الشاه على استرداده بزعم محاكمته بتهمة جنائية. وبعد طويل جدال ووساطات وافق لبنان على التسليم مقابل مذكرة شروط حددتها وزارة العدل اللبنانية وأبرمتها الحكومة، بشروط قاسية وبضمانة دولية. من تلك الشروط التي وافقت عليها حكومة الامبراطور: أن تُحصر المحاكمة بالتهمة المعلَنة. وأن لا تكون محاكمة سياسية بأي شكل من الأشكال. وأن لا يصدر بحق الجنرال بختيار حكم بالإعدام. وأن يُطلِع الجانب الإيراني وزارة العدل اللبنانية على مجريات المحاكمة بالتفصيل.
في ذلك الزمان كانت إيران قوة عظمى في المنطقة، وكان لبنان بلداً متواضعاً، ولكنه كان يمتلك قوة أعظم، ألا هي التمسك الحقيقي بالسيادة والكرامة الوطنيتين.

khalilelkhoury@elshark.com


By uttu

Related Post

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *