لم يكتفِ الرئيس دونالد ترامب بأن وضع العالم كله في ذروة الترقب وضبط الساعات على ساعة تهديداته الموجهة الى إيران، التي أسماها «امبراطورية الشر»، بل توعد بمحوها وحضارتها من الوجود. فتصدّرت هذه العبارة العناوين في مرحلة حبس الأنفاس، التي نكتب هذه الكلمات قبل انتهائها نحو الساعة الرابع من فجر اليوم الأربعاء، وهي المحطة الأخيرة في مسلسل تمديد المهل أمام القيادة الإيرانية.
ولقد رأيتُ ثمة ضرورةً في الإضاءة على ماهية هذه الحضارة العريقة ضاربة الجذور في عمق التاريخ، ولو بلمحات سريعة ومقتضبة:
نشأت الحضارة الفارسية، التي هي من أعظم حضارات العالم، على الهضبة الإيرانية وتناسلت بقوة من الامبراطورية الأخمينية الى البارثية فالساسانية التي توسعت في آسيا ومصر أيضاً. أسسها كورش الكبير عام 550 قبل الميلاد وتميزت بإدارة متطورة وجيش قوي وتأثير ثقافي وفني عميق طوال قرون، لتبلغ أوجها في عهد داريوس، واعتمدت نظام «الساتراپ» (الولايات). وأنشأت طرقاً تجارية كبرى ونظاماً بريدياً متطوراً، وابتكرت «اليخشال» لحفظ الثلج في الصحراء داخل حفريات الجليد، وطورت قنوات المياه الجوفية، وبدايات علم الكيمياء (حامض الكبريتيك)، كما تميزت بفن العمارة الحديثة والنحت والنقوش، إضافة الى الأدب، والديانة الزرداشتية(…).
انتهت الامبراطورية الساسانية بالفتح الإسلامي، لكن أثرها الثقافي والإداري ظل عميقاً في الحضارة الإسلامية (الخط الفارسي) والتراث الديني (سلمان الفارسي).
أمّا الامبراطورية الأخمينية (حتى 331 ق.م.) فشملت إيران الحديثة وتركيا ومصر وبعض إفغانستان وباكستان.
وأما داريوس العظيم فشملت امبراطوريته آسيا الوسطى وغرب الهند(…).
هذه لمحة مختصرة جداً عن الامبراطورية الفارسية التي انتهت في أواخر سبعينات القرن العشرين الماضي، وكان آخر ملوكها الامبراطور الراحل الشاه محمد رضا بهلوي.
وأما الحضارة، في المطلق، فيعرّفونها بأنها النتاج الفكري والفني والثقافي والمادي والاجتماعي والديني والعسكري، المتراكم لأمة من الأمم، ما يمنحها خاصية مميزة عن الأمم الأخرى. وفي هذا التوصيف يمكن اعتبار الحضارة الإيرانية واحدة من أعظم الحضارات في التاريخ.
khalilelkhoury@elshark.com
