لا نقول جديداً إذ نزعم أن الحرب الأخيرة طرحت مصير لبنان على محكّ البحث الحقيقي. الواقع أن هذا الأمر ليس جديداً، ولكن التطورات التي استجدت بعد هذا الفصل من الحرب دفع بسائر الأطياف اللبنانية الى تلمس الطريق كلٌّ الى مستقبله، وحتى الى مصيره. كما نجزم أن العديد من المشاريع الكيانية معروض، فعلاً، على الطاولة. ولا نبالغ إذ نتحدث عن بضعة مشاريع (خمسة على الأقل) يُجرى تداولها في إطار النخب السياسية والقانونية مع مرجعيات غير زمنية، واستبعاد القيادات السياسية في الظاهر، وليس في الحقيقة، باعتبار أن المرجعيات السياسية على اطلاع، ولها كلمة ورأي وموقف…
هذا الحراك الحثيث، آخذ في النمو والتصاعد في مُناخ من فقدان الثقة، كلياً، ليس فقط بين كبار المسؤولين في هذا الوطن المنكوب، أو ما تبقى منه، أيضاً على صعيد القواعد. ويكاد لا يلتقي اثنان من طيفين لبنانيين إلا يختلفان جوهرياً على كل شيء تقريباً، فقد اتسع الشرخ العمودي بين أبناء الوطن الواحد الى درجة أن ما يراه الواحد منهما تصرفاً سيادياً، هو في نظر الثاني خطيئة تلامس الخيانة. وما يراه هذا نصراً مؤزّراً هو ذاته يصبح هزيمة كارثية في نظر ذاك. وفي النتيجة أن النظرة ليست متطابقة الى المشهد الواحد، وليس الفروقات بسيطةً إنما شديدة وذات تباين عريض.
والمثال الذي لا يحمل لبساً أو غموضاً على الإطلاق، هو في النظرة الى هذه الحرب بالذات التي تشهد عدواناً إسرائيلياً وحشياً على لبنان بكل ما للكلمة من المعاني. فحزب الله يتصرف كأنّ لديه تكليفاً إلهياً في أن يضع مفتاح الحرب والسلم في جيبه، وكأنّ لديه توكيلاً إلهياً في أن تكون له الكلمة في هذا الشأن وفي أي شأن آخر، الى حدّ أنه لا يقبل فيه نقاشاً، مجرّد النقاش. وطبعاً هذا ما لا يقبله أي طرف لبناني سوى بيئة الحزب. وعندما يقرر رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة الذهاب الى المفاوضات جراء الحرب التي أشعل فتيلها قرار الحزب إسناد إيران والثأر لدماء المرشد الإيراني السابق الراحل خامنئي ويقول (الحزب) إن الدولة لم تستشر أحداً قبل الذهاب الى المفاوضات، ولكن فإن هذا الحزب يتناسى أنه ذهب الى حروب الداخل والخارج من دون أن يسأل أحداً، ويرفض مجرّد السؤال، فكم بالحري المساءلة؟!
فهل هذه السلبيات تبني وطناً، وهل هي توقف حرباً، أو تعيد إعماراً؟!.
من هنا تعمل النخب (من أسفٍ كل منها على حدة ومن منطلقات مختلفة) على هذا الهدف في المدى الأبعد.
khalilelkhoury@elshark.com
