هل كان لبنان يلهث وراء المفاوضات المباشرة قبل هذه الحرب الملعونة؟ الجواب قطعاً بالنفي. وهل كان لبنان ليطرح هذه المفاوضات لولا الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ لبنانية؟ والجواب هو أيضاً قطعي وحاسم بالنفي. وهل السلطة اللبنانية هي التي بادرت بشن الحرب على الكيان الإسرائيلي المحتل؟ الجواب هو لا. وأخيراً وليس آخراً: هل ثمة أمل او احتمال (مجرد احتمال مهما ضعفت نسبته) في أن تؤدي هذه الحرب الى إجلاء العدو المحتل عن أرضنا بالقوة في الظروف الموضوعية القائمة، إذ بات هذا الوطن المغلوب على أمره مجرد يتيم بين الأوطان سيان أفي المنطقة والإقليم أم في العالم كله؟ واستطراداً، وفق المعطيات المتوافرة، ليس ثمة نية (مجرد نية) لأن يُسهم أي طرف خارجي في إعادة إعمار ما دمرته هذه الحرب، وما زلنا في صميم الأعمال الحربية بينما يرتفع منسوب القتال الى أعلى الدرجات مع ما يترتب عليه من الشهداء والمصابين والنازحين والدمار… فمَن لديه سبيل الى التعامل مع تلك الكوارث فليتفضل ويضعه أمام الرأي العام وإلّا فلتتوقف هذه المزايدات على رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، ليتوقف هذا الهيجان المفتعَل على وسائط ومنصات التواصل الإجتماعي التي لا يرتدع مَن هم وراءها عن الأسلوب الممجوج والمكشوف والخارج، في معظمه، على الأخلاق واللياقة. يا قوم، لسنا في موقع الدفاع عن العهد والحكومة، فلكل منهما جيش من الذين يتولون هكذا مهمة، بكامل العدة والعتاد، إلّا أننا نرفض هذا التمادي في الظلم، وفي التلطي وراء الأصابع، والتهرب من المسؤولية والرمي بها على الآخرين، وفق ما نعرف من المثل السائر: «رمتني بدائها وانسلّت». ولكن المؤلم أن هكذا داءً ووجعاً يطاولان اللبنانيين جميعَهم بفضل الخيارات اللامسؤولة التي يؤدي التفرّد في اتخاذها الى الانتحار ونحر الوطن. وبعد، من أسف أننا نتقاتل على جلد الدب قبل اصطياده، فحتى هذه اللحظة ليس الإسرائيلي مستعجلاً على التفاوض المباشر مع لبنان، فيما كان هذا مطلبه المزمن في تاريخ الصراع، لأنه ليس مستعداً لوقف القتال، ومن باب أولى ليس مستعداً للانسحاب من رقعة الاحتلال التي يحاول أن يمدها ما أمكنه أن يفعل. وأما والأميركي فعاتب على الرئيس عون وغاضب على جيشنا ويكلف الناطقين باسمه في لبنان والخارج الى قيادة الحملات على رئيس الجمهورية والمؤسسة الوطنية الكبرى، ويتهددنا بوقف النذر اليسير من المساعدات التي لا تفي بأي غرض، وبالذات ليست على أي صلة بتعزيز قدرة الجيش الدفاعية (فقط حتى الدفاعية ضد الاحتلال).
والى أن تنجلي الأجواء أمام المفاوضات المباشرة، فلتأذن واشنطن، أقله، بإعادة الروح الى «الميكانيزم».
khalilelkhoury@elshark.com
