يتسع الشق العمودي بين اللبنانيين. وتؤلم الحقيقة المرة التي أفرزتها هذه الحرب، ومن كبير أسفٍ أنها ماضية الى مزيد من التفاقم مع تواصل أمد القتال. أبرز سلبيات ومرارة هذه الحقيقة، أن الشرخ الهائل في الوحدة الوطنية لم يظهر مرة، في أي محنة وحرب سابقتين، كما هو بارز هذه المرة. فلقد تفتّقت الأحداث الرهيبة الجارية على قدر مروّع ليس فقط من التباعد بين اللبنانيين إنما كذلك على بلوغه نقطة اللاتراجع، ما يطرح مصير لبنان جذرياً ويضع الكيان على المحك.
وقد لا نكون في معرض التنجيم إذ نتحدث عن أفكار ومشاريع لم تعد من النوع الخيالي تُطرح جدّياً، على أرض الواقع، ليس في الداخل اللبناني وحده، بل كذلك في الخارج إضافة الى ما يتقرر في الميدان على ساحة الحدود الجنوبية، منذ كلام توما البراك قبل أشهر عن لبنان جزء من سوريا، الى نقل الخط الأزرق في الجنوب من الحدود مع فلسطين المحتلة الى ضفة نهر الليطاني، وهو ما بدأ ينتقل من الخريطة على الورق الى الترسيم على جغرافية الأرض… وهذا ما أثار قلق أطراف دولية وأممية أبرزها الاعتراض المزدوج من الجمهورية المصرية والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وكذلك أمين عام الأمم المتحدة…
وفي تقديرنا أن الأشد خطورة من هذا الخطر الكبير ما نعاينه ونسمعه على ألسنة أطراف داخلية عدة حول تبني مقولة «ما فينا نعيش معكن» التي لم تعد وقفاً على جهة واحدة. الى ذلك هنالك سقف أعلى من التهديد والوعيد المشفوعَين عند المهدِّد والمتوعِّد ليس فقط بالكلام السوقي إنما أيضاً بالقتل والسحل وقطع الرؤوس والأوصال والإنقلابات وما سوى ذلك من تصعيد غير مسبوق بقدر ما هو مرفوض.
ولمّا تكشفت هذه الحرب عن أن حزب الله يمتلك من القدرات القتالية والفاعلية في استعماله بأفضل مما فعله في حرب إسناد غزة فإن هذه الحقيقة يجب ألّا تلعب في رؤوس الذين يعتقدون أن الشعور بالهيمنة على الداخل سيأتي على طبق من الدماء. نقول هذا بالرغم من يقيننا بأن الرهان على الخارج، أياً يكن هذا الخارج، من قِبَل الحزب أو بعض خصومه، لن يجدي نفعاً على ما علّمتنا التجارب المرة التي عايشها اللبنانيون ودفع المراهنون، دائماً أغلى الأثمان.
فنحن من الذين ما زلنا نؤمن بضرورة وحتى بحتمية الرهان على إحياء حال العيش المشترك، بالرغم ممّا اعتورها من خلل الى حد التمزق. وفي السياق ما زلنا نثق بأن على الرئيس نبيه بري دوراً تاريخياً ليؤديه في هذا المجال.
khalilelkhoury@elshark.com
