كتب عوني الكعكي:
آخر تصريح لافت، ما قاله رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف بأنّ النقاط العالقة في المفاوضات الأميركية – الإيرانية لا تتعلق بمضيق هرمز، بل تشمل مطالب إيرانية صريحة بوقف شامل لإطلاق النار في لبنان، وإعلان نهاية الأعمال العدائية، وانسحاب كامل لقوات الاحتلال من الأراضي اللبنانية المحتلة، إضافة الى تحرير الأرصدة الإيرانية المجمّدة.
استوقفني هذا التصريح لمسؤول كبير في نظام «ولاية الفقيه»، والذي يشغل منصباً رفيعاً هو رئيس مجلس الشورى الإيراني.
هذا الحرص الذي يبديه السيّد محمد باقر قاليباف على لبنان، لو كان فعلاً صادقاً لكان بالأحرى به أن يقول هذا الكلام قبل مشاركة حزب الله في حرب انتحارية ضد العدو الإسرائيلي، دعماً للجمهورية الإسلامية في إيران التي تتعرّض لحرب من أميركا وإسرائيل… فلماذا؟
أولاً: عام 2000 حرّر الحزب جنوب لبنان بالكامل، ولأوّل مرّة أُجبرت إسرائيل على الانسحاب من بلد عربي احتلته من دون قيد ولا شرط. ولكن نظام «ولاية الفقيه» والنظام السوري لم يسمحا للبنان أن يُقْفل جبهة حربه ضد إسرائيل، وذلك لإرسال رسائل ولأنهما لا يستطيعان أن يتحدّثا مع إسرائيل من الجولان أو من طهران.
لذلك قامت الدنيا ولم تقعد على الرئيس الشهيد رفيق الحريري واتهامه بأنه يتآمر على المقاومة حين اقترح إرسال الجيش اللبناني الى الجنوب.
ثانياً: أقدمت المقاومة عام 2006 على عملية خطف جنديين إسرائيليين، ممّا دفع إسرائيل الى شنّ حرب على لبنان بكل أنواع الأسلحة، فدمّرت الجسور وتم قتل 7000 مواطن لبناني وجندي مع عناصر من المقاومة الوطنية، وقال يومذاك شهيد فلسطين السيّد حسن نصرالله عبارته الشهيرة: «لو كنت أعلم»… هذه الجملة كلفت اللبنانيين 7000 (سبعة آلاف) قتيل وجريح، وخسائر مالية قدّرت بـ15 مليار دولار أميركي لم تدفعها إيران، بل سجلت مبالغ دين على اللبنانيين وعليهم أن يدفعوها.
ثالثاً: حرب مساندة غزة: مع العلم أنني أقدّر عالياً لشهيد فلسطين دخوله الحرب، وهو يعلم أنّه لن يستطيع أن يحقق أي نصر… لكنه فعل انسجاماً مع شعارات تحرير فلسطين والقدس التي آمن بها. مع العلم بأنّ نظام «ولاية الفقيه» بقي متفرّجاً متخلّياً عن شعارات سرقها تحمل قضايا: علم فلسطين، و«فيلق القدس»، الى: «إسرائيل الشيطان الأصغر وأميركا الشيطان الأكبر».
وللأسف مروراً بمعركة إسناد غزة التي كلّفت اللبنانيين آلاف الشهداء، وإعادة احتلال قسم من جنوب لبنان، وتدمير الضاحية الجنوبية والبقاع وبعلبك والهرمل. والأنكى أنّ عملية الإسناد كلّفت لبنان تهجير مليون مواطن من بيوتهم في الجنوب وبقيّة المناطق التي تهجّر أهلها هرباً من الاستهداف الإسرائيلي، مقابل 80 ألف إسرائيلي هربوا من شمال فلسطين الى الداخل. فكانت حرب المساندة أغبى عملية عسكرية في التاريخ برغم صحّتها وسلامة نيّات الملتحقين بها.
رابعاً: لم نأخذ العبرة من مساندة غزة، ولم نفهم ما قاله شهيد فلسطين بعد عملية «البيجر» قبيل اغتياله، والتي أدّت الى استشهاد 6000 قتيل وجريح، وإصابة وإعاقة الكثيرين. لم نفهم ما قاله بأنّ إسرائيل متقدّمة علينا كثيراً تكنولوجياً، وطلب من جماعته الابتعاد عن «البيجر» والاتصالات.
لم نتعلم الدرس، فدخلنا بعدها معركة إسناد الجمهورية الإسلامية في إيران..
المصيبة الكبرى أننا خسرنا آلاف الشهداء والجرحى، ودُمّر الجنوب تدميراً يمكن أن نقول إنّه أصبح «غزة-2»، لأنّ ما فعله العدو الإسرائيلي يشبه الى حد كبير ما فعله ويفعله في غزة.
نعم، وبالصوت العالي أردّد كلام أغنية الفنان جورج وسوف «كلام الناس لا بيقدّم ولا بأخّر».
دخولنا حرب المساندة لم يقدّم ولم يؤخّر شيئاً، بل أضرّ بلبنان بشكل كبير، وأدخلنا في حرب لا نعرف كيف سنتخلص منها.
aounikaaki@elshark.com
